محمد بن أحمد الفرغاني
57
منتهى المدارك في شرح تائية ابن فارض
حكم وأثر وإحكام كل أمر يراد ظهوره بحكم تظاهر أسمائه الحسنى ، وتظاهر بعضها ببعض في الحكم الإيجادي وغيره بحيث لا يتطرّق إليه ضعف أصلا ، ولا يحتمل خللا في ذلك رأسا . ( ومنها : اسم الباري ) الذي له التمكّن من التأثير ، ولكن مع رعاية تدقيق ما وقع فيه التقدير والجمع والقطع وإتمام تهيّئه الباطن لقبول الصورة التي تصدّى لإظهارها الاسم المصوّر بحكم تعيين المشيئة والإرادة من إكمال التخطيط وإحكام الأجزاء وما يقوم به وإعطاء الصورة حقّها ، فيكون الخالق يقدّر الصور كلّها ، والباري يصوّر الصور الروحانية والمثالية ، والمصوّر يصور الصور الحسّية . ( وأما اسم بديع السماوات والأرض والمبدع والمخترع ) ، فمعنى الكل إنما هو الموجد لكن على غير مثال سابق على الإيجاد ، أعني على غير مثال خارج عن علمه تعالى ، على أن كل موجود لم يوجد إلّا على مثال ما سبق به العلم الذاتي الأزلي الغير المستنبط من الغير ، ومن خارج أصلا وفرعا بخلاف الإبداع والاختراع المضاف إلى الخلق الذين جميع علومهم انفعالية مستخرجة من خارج ، فكانت هذه الأسماء من وجه من توابع العالم ، ومن وجه من توابع القادر . ( وأما اسم القهّار ) الذي له التمكّن والغلبة التامّة على ظاهر كل أمر وباطنه علوّا وتأثيرا ، فكل ما سوى اللّه مغلوب ومقهور لحكمه في تغليبه إياهم حالا بعد حال ، إيجادا أو عداما ، ثم علما وجهلا ، وحياة وموتا ، وطاعة معصية ، ولطفا وقهرا ، بهم ومنهم إلى أن تقهر آخر الأمر وتغلب وحدته حكما ثم وصفا ثم ذاتا كثرة أحكامهم وتوهّم ملكهم ، ثم كثرة صفاتهم ، ثم كثرة ذواتهم وتعيّناتهم بوجوده الواحد ، وذلك المعنى بقوله : لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ [ غافر : الآية 16 ] ، ثم بقوله عزّ وجلّ : وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ [ الرّعد : الآية 16 ] ، فهو من توابع اسم القادر . ( وأما اسم الجبار ) الذي يرد الأشياء بعد التغيير إلى حالها المحمودة بضرب من القهر والغلبة والتأثير ، ولما فيه من معنى الغلبة والقهر يقتضي الهيبة والعظمة التي منها الجبروت ، وفي قوله : حتى يضع الجبار قدمه فيها ، أي : في جهنم ، فتقول : قط قط ، يعنيّ حسبي يجبر عن إصلاحها وردّها من حال هيجانها إلى حال سكونها قهرا وظهوره عليها بصفة العظمة الكامنة في رحمته الغالبة على غضبه